اخبار الفن

قيمة الفن | باسمة يونس | صحيفة الخليج

د. باسمة يونس

إن قيمة الفن ليست بكونه أداة للتعبير أو مهارة تغدقها روح فنان موهوب، ولكن بقدرته على القبض على مشاعر الناس بما يملكه من جمال وفتنة وبسهولة تداخله بين الإنسان وبين مشاعره والتغلغل فيها إلى درجة تجعله يصبح أغلى ما يملك وأكثر أهمية من المال نفسه. وتلعب الأماكن التي تضم جدرانها لوحات فنية دوراً مهماً في استقطاب الناس المرهفين، والذين لديهم مشاعر قوية تجاه الحياة والطبيعة الصادقة. ويملأ العمل الفني الناس بالعواطف التي ليس من السهل تحديدها، لكنهم يدركون بأنها تمس في داخلهم أوتاراً مرهفة، وتساعدهم على التنفس بعمق والشعور بقشعريرة الرهبة؛ لأنهم تمكنوا من الوقوف أمام عمل فني، وعاشوا تلك اللحظة التي يعصف هدوؤها الأخاذ بقلوبهم.

وعندما يخرج أي شخص لشرب فنجان من القهوة أو الشاي لا يبحث دائماً عمن يصنع أفضل كوب، بل يختار مكاناً لا يستطيع التوقف أو منع نفسه من التحديق في ما يحتويه من لوحات فنية مذهلة تشخص فوق جدرانه وكأنها عيون الفنانين الذين تركوها هناك تدعو الجالسين للاستمتاع بحضورها، وتلفت انتباههم بما تحويه من جمال، ليصبح هذا المكان هو الأكثر تميزاً لكثيرين تعلقوا بهويته وفضلوه عن بقية الأماكن. وسيحب هذا المكان كما يحب أشياء أخرى في حياته مثل الكتب والموسيقى ومراقبة السماء في الليالي المرصعة بالنجوم، ومشهد الألعاب النارية وهي تنطلق من الأرض لترسم بألوانها أشكالاً فنية مبهجة تثير الفرح، وسيخطر في باله سؤال حول قيمة الساعات التي قضاها الفنان واقفاً يرسم ويلون بلا كلل، وكم تستحق اللوحة لو تم تقويمها مادياً، فهل ستقدر بملايين الأشخاص الذين تبهج قلوبهم روائع الأعمال الفنية، وتستثير في أعماقهم ذكريات ومشاعر ستجلو أحزانهم وتمنحهم سعادة لا تقدر بثمن، أم ستقدر بما تحمله من بصمات أنامل الفنان؟.

ملايين الناس يؤمنون بأن الفن هو العنصر الوحيد الأغلى ثمناً في حياتهم، والأكثر قيمة من كل الأشياء الأخرى التي يسهل اقتناؤها بما يملكون من مال، لكننا لا نسمعهم ولا نراهم؛ لأنهم لا يظهرون مشاعر لا يستطيعون تفسيرها. إنهم عاجزون عن وصف ما يحدث لهم عند زيارتهم معرضاً فنياً وجلوسهم بالساعات أمام لوحة عظيمة يتفرسون في أدق تفاصيلها، أو يعرجون أثناء سيرهم لاقتناص لحظة غروب مبهرة تغطس بها الشمس في الماء فلا تشتعل النيران، أو للتمتع بأمسية خلابة يسطع فيها بدر وتخجل منها مصابيح الشوارع.

إنهم عاجزون عن الشرح والتفسير كما قد يفعل من يستعرضون ممتلكات مرتبطة بالرغبات الاستهلاكية أكثر من ارتباطها بالمشاعر، فهم يتواصلون مع مشاعرهم ومع الذكريات عبر الفن الذي يمنح الحياة قيمة لا تقدر بثمن.
[email protected]

رابط المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق