جرائم

صلاح الدين موسى يكتب لوطن .. فضيحة التمور جريمة وطنية قبل ان تكون جريمة فساد او جريمة اقتصادية!

من الواضح ان هناك جدل حول تكييف جريمة التمور، بغض النظر عن أية نقاشات فنية أوقانونية، من المسلم به ان فضيحة تصدير التمور جريمة من حيث المبدأ، وهي جريمة مستمرة، وهي في الجوهر ان صح وقوعها فهي جريمة فساد من حيث التكييف القانوني، فما سبب إمكانية حصول فضيحة التمور؟ باختصار ممثل وزارة الزراعة يذهب في العادة الى مزارع التمور ويقوم باصدار تخمين للمزرعة المملوكة (لهذا الشخص او ذاك، لهذه الشركة او تلك، ويحدد من خلال تخمينه ان الارض ستنتج خلال العام وفقا لعدد الأشجار والمساحة الكلية (5 طن من التمور مثلا) في منح الإذن بالتصدير بما يوازي الكمية المخمن بها، ويصدر اذن التصدير الى صاحب الشركة او ممثلها او للمزارع مالك المزرعة.

الذي يحدث في واقع الحال ان التخمين في العادة لا يتفق مع الحجم الحقيقي للمزرعة، ويكون أعلى من الكمية الحقيقية التي تنتجها المزرعة، وقد يكون هذا من باب التسهيل على المزارعين من قبل وزارة الزراعة!

هذه العملية أدت في الواقع الى وجود كميات مسموح تصديرها لدى هذا المزارع او تلك الشركة اكبر بكثير او قليل لما تنتج مزرعته، فيكون المزارع او الشركة امام خيارين ، الاول ان يقوم بشراء تمر من جهات اخرى سواء محلية او اسرائيلية حتى يصل الى التخمين المحدد والمصرح له تصديره وبيعه الى الاسواق الخارجية او ان يكتفي بالكمية الحقيقة التي أنتجها.

من الواضح ان عدد من الشركات والمزارعين يفضلون الخيار الاول، ومن هنا تبدأ قصة تبيض منتجات المستوطنات، او الحصول على تمر ليس على جودة عالية من المزارعين الصغار.

ببساطة هذا الذي حصل ويحصل وسيبقى يحصل ان لم تجد وزارة الزراعة الية واضحة لضمان عملية تخمين دقيقة لمنتج المزارع والمزارعين من التمور.

لنعود قليلا الى فضيحة التمور، القضية قيد التحري على ما يبدو لدى مكافحة الفساد منذ سنوات ثلاث، قامت هيئة مكافحة الفساد بتحويل الملف مع كافة التحقيقات الاولية الى النائب العام منذ ما يزيد خمسة شهور، النيابة العامة استكملت التحقيق بصفتها القانونية.

على الجمهور الا يركز على الأسماء المتهمة او التدخل في سرية التحقيق، فالأصل البراءة لجميع من تم تداول اسمائهم، فالجهة الوحيدة صاحبة الاختصاص هي المحكمة المختصة في حال تم احالة الملف من النيابة العامة.

ان فضيحة التمور تستدعي من الجمهور ان يوفروا الدعم لهيئة مكافحة الفساد وللنيابة العامة في عملها وعدم إصدار الأحكام المسبقة بحق الهيئة والنيابة العامة، وكذلك بحق من تم توقيفهم والتحقيق معهم، لان البينات والدلائل تحتاج دوما الى أمر قاطع لا يرقى إليه شك.

فضيحة التمور لم تبدأ من لحظة الاعلان عن التحقيقات، بغض النظر عن المبالغ التي تم الكشف عنها من حوالات بنكية بين عدد من الشركات الفلسطينية والاسرائيلية التي تعمل في التمور في الاغوار، والتي بررها البعض على أنها معاملات تجارية بينية مع الشركات الاسرائيلية والفلسطينية، ولا من خلال الوثائق التي بينت ان حجم ما ينتجه السوق الفلسطيني وحجم ما نصدره أكبر بكثير، ناهيك عن الكميات التي يتم تسويقها في الأراضي الفلسطينية.

من هنا علينا ان نتساءل، هل يعني فتح هذا الملف ان تشكل وزارة الزراعة مع وزارة المالية ورقابة من ديوان الرقابة المالية والادارية لجنة لمراجعة كافة التمور التي تم تصديرها خلال السنوات العشرة الماضية لتعود على رؤوس الأموال بالمستحقات الواجب دفعها، ام ان فضيحة التمور كغيرها ستذهب الى الركون والسكون، ونحن لا نتحدث عن المساءلة الجزائية، بل استدعاء كافة الحقوق المالية من هذا القطاع وغيره حتى نعيد الأموال العامة الى الخزينة العامة.

بناء على ما تم توضيحه المهم القيام بالخطوات التالية:

1- على وزارة الزراعة ان تعيد النظر في شكل وطبيعة الاجراء الذي على أساسه يتم تخمين مزارع التمور ومنح أذونات التصدير، حيث من المهم ان يشكل فريق وطني لمنح هذه الشهادات ويكون هناك فريق للتخمين يتبدل كل عام، وفريق يمنح اذونات التصدير بشكل منفصل وآليات جديدة، ويجب على وزير الزراعة ان يعيد تشكيل هذا الفريق كل عام، وان لا يكون اعضائه معروفين او من ذات المنطقة في اريحا، ويفضل ألا يكونوا موظفين في الوزارة.

2- ان تمنع النيابة العامة اية تسريبات عن التحقيق في الملفات ذات الصلة، وان تستحث الخطى في تحويل الملفات الى المحكمة المختصة ان نضجت الملفات لديهم، خاصة وان هذه الملفات لدى النيابة العامة من اكثر من خمسة اشهر، وان يكون التكييف القانوني متفق مع طبيعة وخطورة الجريمة.

3- ان يتم انشاء بنك معلومات وطني حول كل المزارعين والشركات التي تملك مزارع للتمور في فلسطين مع تقييم حقيقي لقيمة وكمية المنتجات الحقيقة وأي تطور او تغيير عليها يتم اعلام بنك المعلومات الوطني بذلك.

4- ان يتم تسهيل مهمة هيئة مكافحة الفساد في أعمالها وتزويدها بالمعلومات المطلوبة من الوزارات والجهات المعنية حتى تتمكن من انجاز تحرياتها الاولية بسرعة ومهنية عالية، وكذلك على كافة الجهات الاعلامية وغيرها عدم وضع النيابة تحت سيف الوقت، حتى تتمكن من استكمال التحقيقات حسب الأصول بما يوفر ضمانات تحقيق عادلة ومحاكمة عادلة.

5- من المهم ان لا يتم اتهام احد ووصمه بانه مذنب ما لم يصدر حكم قضائي نهائي وبات وغير قابل للطعن من الجهات القضائية، لان وسم الناس واتهامهم  أمرا لا يمكن بأي حال من الاحوال اصلاحه او رد الاعتبار فيه، خاصة ان هذه القضايا هي قضايا رأي عام بامتياز، ومن الصعوبة بمكان إقناع الجمهور ببراءة هذا الشخص او هذه الشركة من التهم بعد سنوات حتى وان حكمت المحكمة ببراءتهم، لذا فإنه من المهم جدا عدم تداول الأسماء وحرقها حتى يتمكن الجميع من الوصول الى الحقيقة.

كما يقال درهم وقاية خيرا من قنطار علاج، المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق الجهات الرسمية لاتخاذ إجراءات وقائية تمنع من توفير بيئة خصبة لتداول منتجات المستوطنات سيما التمور منها، وأما ان هذه الفضيحة ايقظتنا لبرهة لنعود من جديد نجرى للحديث عن  فضيحة جديدة قد تكون أشد وقعا وأكثر خطورة على مستقبلنا فوق ارضنا.

رابط المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق