جرائم

محمد إبراهيم الدسوقي يكتب: جريمة لا تغتفر

اعتصرني الألم وهالني ما رأيته في ميدان المساحة بحي الدقي العريق من بلدوزرات تزيل الحديقة الصغيرة الكائنة وسطه، والتي باتت أثرًا بعد عين، ومَن عاش في هذه المنطقة أو يرتادها بشكل منتظم بغرض العمل ومقابلة الأصدقاء، يعرف تمام المعرفة أن تلك الحديقة المغدورة معلم ألفته الأعين والأذهان، وترتاح إليه كل نفس سوية تقدر وتثمن قيمة الجمال وجدواه.

فما هو الداعي الملح والعاجل لاغتيال هذه البقعة الخضراء، وحرمان سكانها وروادها منِ منافعها البيئية والصحية والجمالية والحضارية، وقد يأتي الرد من الجهات المعنية والمسئولة بمحافظة الجيزة أن الغرض توسعة الطريق، وإحداث انسيابية مرورية، بسبب الاختناقات الشديدة بها وقت ذروة خروج طلاب المدارس والعاملين في الشركات والسفارات وغيرها، لذا فإنه لابد وحتما إزالة أشجارها الزاهرة الضاربة بجذورها في التربة منذ عقود ولت وخلت، وذلك اتساقًا مع قاعدة أن الغاية تبرر الوسيلة.

وردي على هذا القول سيكون بطرحي تساؤلًا ساذجًا، هو: هل قدر المسئولون عن هدم حديقة المساحة مسبقًا حجم الخسائر الناجمة عن اختفائها من على وجه البسيطة، وتأثيرها على نفسية القاطنين في محيطها، لا سيما من كبار السن الذين ترتبط ذكرياتهم بهذا المكان ويعشقونه، ويعتبرونه جزءًا من حياتهم، وأن اقتلاعها بهذه البساطة وبدون سابق إنذار أشبه بطعنة نافذة في صدورهم، وجريمة لا تغتفر وليس لها مبرر وسند معقول، وهل قارنوا بينها وبين ما سوف تحدثه السنتيمترات المضافة من انفراجة في موقع بحكم تصميمه وتكوينه يعد ضيقًا من الأساس، وسبق أن تم الجور عليها لإقامة جراج للسيارات.

وأيهما أجدى وأنفع، الإبقاء على رئة طبيعية تفيد صحة الكبير والصغير في وقت لا تدخر فيه الدولة وسعًا ولا مالًا لحماية المصريين من الأمراض المتوطنة التي يعزى انتشار العديد منها إلى تزايد نسبة التلوث ومصادره، أم القضاء عليها وخنقها عن قصد، واستبدالها ببضع شجيرات لا تسمن ولا تغنى من جوع، ولن يكون بمقدورها تعويض ما جرى إزالته من أشجار ونباتات.

ألم يكن من الأوفق التأني وصون حديقة المساحة ترسيخًا وتعزيزًا لتوجه الدولة أيضًا في الحفاظ على الجانب الجمالي في كل ما حولنا، حتى تقتلع شأفة ثقافة القبح التي استقرت واستكانت داخلنا، وأضحت أمرًا عاديًا نعيش ونتعايش معه بسلام ورحابة، جراء سنوات الإهمال والتراخي بعهود سالفة، وهل نظر هؤلاء المسئولون وحاولوا أن يلتمسوا المغزى والمعنى من وراء تخصيص الدولة مليارات الجنيهات، بغية ترميم مناطق أثرية، وإقامة متاحف للحقب التاريخية المختلفة، وتطوير القاهرة الفاطمية.. إلخ؟

الدولة فعلت ذلك وغيره الكثير، لإدراكها واستيعابها أن آثارنا تمثل جانبًا أصيلا من هويتنا الوطنية التي نعتز ونفاخر بها الأمم الأخرى، وبمحافظتها عليها والعناية بها فإنها تحافظ على ما تحمله من مواضع جمال وإبداع وارتقاء بالنفس البشرية والسمو بها، وعندما قررت تنفيذ شبكات طرق ومحاور حديثة غاية في الروعة والاتساع فإنها حرصت على تعمير وتجميل أسفل الكباري بمحال ومقاهٍ تجنبها لأن تكون مرتعًا للقبح، مثلما كانت في الماضي القريب، وما كان يصاحبها من مشاهد يندى لها الجبين.

ويبدو أن هناك خللًا بينًا لدى بعض المسئولين عن تنفيذ عمليات تطوير وتحديث البنية التحتية، حينما يُفسرون ويُترجمون ما يصل إليهم من تكليفات وتعليمات، لأنهم يستسهلون عملية تدمير مواطن الجمال، ولا يجتهدون من أجل صيانتها والإكثار منها للمصلحة العامة، وحفاظًا على البيئة، أو السعي لاستطلاع رأي الناس فيما يعتزمون عمله، وهم لا يفطنون لحقيقة التوابع الخطيرة اللاحقة لشيوع تشويه كل ما هو جميل، سواء كان حديقة عامة، أو شجرة معمرة على ضفاف النيل، أو طرازًا معماريًا فريدًا.

غير هذا، فكلنا بات على دراية تامة بما فعلته ظاهرة التغير المناخي من أضرار جسيمة تتفاقم بمرور الوقت على كوكب الأرض بمستويات عدة، ولا توجد استثناءات فيها، ومن ثم فإن واجبنا كمواطنين وكمسئولين يحتم التعاون الوثيق للمحافظة على البيئة، لتلافى إلحاق ضرر أكثر بالأجيال الحالية والمستقبلية، ولعل أبسط وأقل شيء يمكننا فعله أن نحافظ على المساحات الخضراء، وعدم التفريط فيها والتضحية بها بسهولة منقطعة النظير، وليتنا نستفيق قبل فوات الأوان، وإثقال كاهلنا بمزيد من أوزار تدمير الجمال.

رابط المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق