منوعات

القراءة دواء الروح بحثا عن معنى

تعد القراءة نشاطا إنسانيا جد متفرد، لما يكتنفها من مفارقات، فهي القادرة على إبعاد المرء عن العالم، حتى يتمكن من فهم معنى ما يدور من حوله. أكثر من ذلك، تمنح القراءة أصحابها – بحسب فريدريك دوجلاس الكاتب الأمريكي – الحرية إلى الأبد، كما تتيح لهم متعة التجول في عقول الآخرين، دون الاضطرار إلى تحمل فظاظتهم ورعونتهم. ويحكى أن جواب الخليفة المأمون، حين سئل عن ألذ الأشياء؟ كان قوله “التنزه في عقول الناس”، ويقصد قراءة مؤلفاتهم وكتبهم.
يبقى التساؤل قائما حول السر الذي يضفي على علاقة الفرد بالكتب قوة، تجعلها تعيش في دواخله بعد الانتهاء من قراءتها، لدرجة تغيير علاقته بالعالم من حوله، وحتى بنفسه. وأحيانا، تبلغ حدا يجعلها تنحت مصيره، وما يؤول إليه مستقبلا. لذلك لم يتردد أحدهم في القول “لا يوجد حقا إلا أمران اثنان يستطيعان تغيير الفرد: إما حب كبير أو قراءة كتاب عظيم”.
تبقى القراءة وحدها – في نظر الأديب عباس محمود العقاد – التي تعطي الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة، لأنها تزيد هذه الحياة عمقا، وإن كانت لا تطيلها بمقدار الحساب. فالكتب في النهاية، ليست سوى حيوات أخرى معروضة بين أيدينا. وكان بليز سندرار الروائي الفرنسي قد شبه عملية الكتابة والتدوين بترجمة لجوهر الحياة، “عندما أكتب لا أغمس ريشتي في المحبرة بل في صميم الحياة”.
عن تلك العلاقة الاستثنائية بين الكتب والحياة، يتحدث كريستوفر باوليني الروائي الأمريكي الشاب، فيقول “إن الكتب أصدقائي، هي تجعلني أضحك وأبكي، وتدفعني لأجد المعنى في الحياة”. فالكتاب خطاب موجه إلى الأصدقاء المجهولين على وجه الأرض.
يحكي أولير ونديل هولمز الطبيب والمبدع الأمريكي أن ملكا مصريا كتب على مدخل مكتبته “عقاقير الروح”، في إشارة منه إلى الكتب داخل الخزانة. حقا إنها كذلك، فجمع الكتب – بحسب الكندي فنسنت ستاريت – يعني جمع السعادة. تصبح الكتب إذن سعادة الحضارة، بدونها يصمت التاريخ، ويخرس الأدب، ويتوقف العلم، ويتجمد الفكر والتأمل.
يتعدى الكتاب حدود الصداقة بينه وبين القارئ، ليصنع لك أصدقاء جددا، فالقراءة تسيح بك في عوالمها الخاصة، فتجعلك عند أول قراءة للكتاب تشعر بأنك قد كسبت صديقا جديدا، وعند قراءته للمرة الثانية، تشعر بأنك تلتقي صديقا قديما. ومن غرائب الكتب، لدى بول ريكو، “ما نعرفه عن الحب والكراهية، والمشاعر الأخلاقية… وبصفة عامة كل ما نسميه بالذات، إذا لم يكن قد تم تقديمه إلى اللغة وصياغة الأدب”، وتصبح عملية القراءة خشوعا، في نظر أمبرتو أكابال، فالقارئ حين ينهي قراءة كتاب، لا يعود الشخص الذي كنته قبل القراءة.
قد يكون هذا التحول معطى يفسر قدرة الفرد على الانعزال الذي يعيشه بمعية كتاب معين، إذ يجلس معه لساعات دون أن يشعر بالجوع أو العطش. لعله بقراءته له يحقق راحة وارتواء من نوع آخر، فهو يتذوق طعم كلماته، ويشرب معانيها، ويسافر فوق أجنحة أوراقه. عن ذلك النوع من الفضول الذي يعيشه أثناء القراءة، وفي الوقت نفسه ذلك الصبر الذي يبدع فيه، عن قوة القصص والتجارب التي يمر بها القارئ، من خلال قراءة الكتب التي قد تعطينا خبرات شخصية حقيقية، على الرغم من كونها تمارين افتراضية.
إنها دروس الحياة التي تستخلص من الواقع قبل الكتب، فجون بول سارتر الفيلسوف الفرنسي يؤكد أن “كل ما أعرفه عن حياتي تعلمته من الكتب”، ويذهب في مؤلف السيرة الذاتية، بعنوان “الكلمات”، إلى الحديث عن القراءة بوصفها حياة في حد ذاتها. ففي اللحظة التي تعلم فيها سارتر القراءة، وهو طفل، انفتح عالم الوعي الخاص به، كان يفهم واقع العالم من خلال الكتب لا من خلال الطبيعة أو التجربة.
استند المفكر فرانسيس بيكون إلى ما سبق من تشبيه القراءة بالأكل، بقوله “إن بعض الكتب يمكن تذوقه، والبعض الآخر يمكن ابتلاعه، وقليل منها يمضغ ويهضم”. فالقراءة تمنح المرء فرصة، حتى يعرف أنه ليس وحده في هدا العالم، كما قال الكاتب ويليام نيكلسون. فهذا النشاط الإنساني يتيح لك التواصل مع أرواح من خلال شخصيات ترى نفسك فيها، كما يوصلك بعوالم أخرى خارج تجربتك الخاصة.
على هذا الأساس، تتحول القراءة إلى نوع من العلاج للإنسان، الببليوتيرابيا أو العلاج بالقراءة، يقلب المكتبات مشافي للعقول، والكتاب دواء عالميا، والقراءة علاجا ذاتيا للطمأنينة والاستقرار والراحة. عن هذه الحالة تتحدث كاتبة في سيرتها الذاتية فتقول “إنني لمحت اليأس. لقد كان ذلك حينما اعتقدت أنه لن يوجد كتاب بإمكانه مساعدتي على فهم ما كنت أمر به”.
ويحدث أن تكون وقود الإبداع، كما في حالة جابرييل كارسيا ماركيز، الذي كانت للقراءة أفضال كبيرة عليه، فلولاها ما انقدحت أولى شرارات الكتابة لديه، ولولاها ما صقل أفكاره وأسلوبه الأدبي. فلم يطور الرجل موهبته، كما يؤكد ذلك، بانعزاله عن العالم كي يتفرغ للكتابة، إنما صقلها بانكبابه على قراءة الإنتاج الأدبي، لعدد غير قليل من كبار الكتاب الذين سبقوه أو عاصرهم.
هكذا تصبح القراءة الوجه الآخر للكتابة، فلا كتابة دون قراءة، ولكن يمكن أن تكون هناك قراءة بلا كتابة، فليس شرطا أن كل من يقرأ يكتب، في حين إنه يجب على كل من يكتب أن يقرأ. فما نكونه في المستقبل – بحسب الكاتب توماس كارليل – يعتمد على ما نقرؤه، بعد أن يفرغ كل الأساتذة من تعليمنا، فمجموعة من الكتب أفضل جامعة على الإطلاق.
لكل ذلك، لم يتردد بعضهم في اعتبار القراءة إنقاذا للإنسان من كل شيء، حتى من ذاته، علاوة على كونها استباقا للحياة، وربما كانت، أيضا، في مراحل الحياة المتأخرة، تصبح كفاحا ضد الموت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق