منوعات

سوق مريبة وإفلاس مفاجئ

شهدت الأعوام الأخيرة نموا سريعا في الأصول المشفرة والمنتجات والخدمات المرتبطة بها. وهناك ازدياد أيضا في الروابط بينها وبين النظام المالي الخاضع للتنظيم. ويراقب صناع السياسات جاهدين المخاطر الناشئة عن هذا القطاع الآخذ في التطور الذي لا يغطي التنظيم كثيرا من أنشطته، ولذلك تعالت صيحات عالمية كثيرا خلال الفترة الأخيرة مطالبة ومحذرة في الوقت نفسه من انهيار غير مسبوق ضد الاستثمار في العملات المشفرة.
وتبرز هذه المخاطر، لماذا؟ لأنها تحتاج الآن إلى معايير دولية شاملة تعالج بصورة أكثر اكتمالا المخاطر التي يتعرض لها النظام المالي بسبب الأصول المشفرة، والمنظومة المصاحبة لها، والمعاملات المتعلقة بها، مع إتاحة بيئة تمكينية للمستفيد من منتجات الأصول المشفرة وتطبيقاتها.
وينبغي وضع إطار عالمي يتألف من معايير لتنظيم الأصول المشفرة، وأن يكون الهدف إتاحة منهج شامل ومنسق لإدارة المخاطر التي يتعرض لها الاستقرار المالي وسلوك السوق الذي يمكن تطبيقه باستمرار. ومن هنا لم تستقر أوضاع العملات المشفرة منذ انطلاقتها قبل 15 عاما تقريبا. الشكوك ظلت تحوم حولها، والارتباك بقي السمة الرئيسة في حراكها ضمن السوق المالية، وغياب التنظيم المحكم لها لا يزال حاضرا حتى اليوم، حتى الاستخفاف بوجودها كان موجودا في أوساط المشرعين الماليين حول العالم. فرئيسة البنك الأوروبي كريستين لاجارد قالت صراحة إن العملات المشفرة بشكل عام لا تساوي شيئا، وأشارت – كما بعض رؤساء البنوك المركزية في العالم الغربي – إلى الحاجة إلى وجود عملات رقمية تابعة لهذه البنوك مباشرة.
ويلاحظ أن الجهات المالية التشريعية أبقت هذه العملات خارج الرقابة الصارمة تماما، على الرغم من بعض التحذيرات من مغبة تسببها في أزمة مالية عالمية، ولا سيما بعدما وصلت قيمتها السوقية إلى مئات المليارات من الدولارات، ولجوء نسبة من المستثمرين إلى الاقتراض غير المضمون والاستثمار فيها.
ويدخل انهيار “إف تي إكس” بورصة العملات المشفرة، ضمن نطاق الفوضى حول عملات بلغت خسائرها 100 في المائة، ومكاسبها 100 في المائة! أي لا يوجد نمط طبيعي في أسواقها، ولن يوجد إذا ما ظلت الأمور على حالها. هذه البورصة التي احتلت مكان الطليعة ضمن اقتصاد التشفير، أفلست فجأة، وبعض المراقبين يقولون: “إنه إفلاس مذل للغاية”. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن “إف تي إكس” تلقت دعما كبيرا من شخصيات ومشاهير ومستثمرين كبار، إضافة إلى عدد من السياسيين في العالم الغربي على وجه الخصوص. ما يعني أنها لم تكن سوى واجهة هشة لسوق يكتنفها الغموض الدائم. وصلت خسائر العملاء ضمن هذه البورصة إلى أكثر من ثمانية مليارات دولار، في حين أنه من الصعب حصر قيمتها تماما، لأنها لم تكن خاضعة للمتابعة التشريعية مباشرة.
والنقطة الأخيرة تعد الأهم لماذا؟ لأن غياب التشريعات، وسع نطاق عمليات الاحتيال والفساد وغسل الأموال عبر منصات العملات المشفرة عموما، بما فيها تلك التي اكتسبت وزنا تصنيفيا مقبولا.
فالميزانيات العمومية لبورصات العملات الرقمية عموما لا تعاني ثغرات فحسب، بل عمليات تجري تحت السطح بعيدا عن أعين المستثمرين والمشرعين. كان طبيعيا أن تتخذ بورصات العملات المشفرة ملاذات آمنة بعيدة عن المشرعين، خصوصا إذا ما علمنا أن هناك ما يقرب من 80 منطقة “أوف شور” حول العالم، تمثل ملاذات ضريبية آمنة، وتعد ساحة لعمليات مالية غير مشروعة بما في ذلك غسل الأموال، وإخفاؤها. أي أن الساحات جاهزة لمثل هذا الحراك المالي المريب. الأسئلة كثيرة حول سوق العملات المشفرة بشكل عام، وعلى رأسها: لماذا تأخرت البنوك المركزية الرئيسة حول العالم في اتخاذ قرارات بشأنها، أو القيام بطرح عملاتها لضرب السوق غير الشرعية ـ إن جاز التعبير؟
وبالرجوع إلى تاريخ العملات الرقمية يتضح أنه مليء بالاضطرابات التي يجب أن تدفع المشرعين إلى التقدم بخطوات ما حيالها. المشكلة الرئيسة هنا، تكمن في استهانة الجهات المشرعة بهذه العملات ومنصات بورصاتها، وظلت على هذه الحال، حتى عندما تزايدت التحذيرات من أزمة مالية عالمية قد تحدث بسببها، ولا سيما من جهة الاقتراض السهل بهدف الاستثمار فيها، فضلا عن طبيعة حراكها غير المنظم على الإطلاق. ولا شك في أن إفلاس أهم بورصة للعملات المشفرة “إف تي إكس”، سيجر معه منصات أخرى في المستقبل القريب، خصوصا في ظل تراجعات غير مسبوقة لقيمة العملات الرقمية كلها دون استثناء. فالفشل في ميدان جديد لا يخضع للرقابة، لن يقتصر عليه فقط، بل سيسحب معه ميادين أخرى في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي سلسلة من الأزمات يصعب حلها حتى نهاية العقد الحالي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق