اخبار الفن

«حاصدات السنابل».. الفن ينحاز للمهمّشين | صحيفة الخليج

الشارقة: علاء الدين محمود

الفنان الفرنسي جان فرانسوا ميليه، «1814 1875»، هو من الرسامين العالميين أصحاب البصمة الخاصة والأسلوب المتميز، وتعد أعماله بمثابة الجسر الواصل بين الرومانسية والواقعية. فقد دعم فرانسوا موهبته بنقل لوحات أساتذة الفن في اللوفر، وكسب قوته من رسم بعض الصور لمشاهد واقعية، وفضّل في بداية أعماله استخدام الألوان القاتمة، ثم اتجه تدريجياً إلى المناظر، وصوّر موضوعات من حياة الريف تعكس انفعالات الحزن والمشاعر الصافية؛ أي كان شديد الالتصاق بذلك الواقع القروي، واستطاع التعبير عنه، والمعروف أن ميليه عاش في الباربيزون، حيث الفنانين من مصوري الطبيعة هناك، ويعتبر أحد مؤسسي مدرسة باربيزون في ريف فرنسا.

انحاز ميليه للريف وتناول جمالياته، لكونه في الأساس ينحدر من عائلة فلاحية صغيرة، لذلك كرّس فنه لتصوير حياة الريف، ويخلع على الفلاحين الذي يظهرون في رسوماته صفات البطولة والنبل والكرم، وعبر تلك الأعمال استطاع أن يكون مؤثراً في الساحة الفنية العالمية، الأوروبية على وجه الخصوص، حتى قيل إن فناناً كبيراً بقيمة فان جوخ، قد استوحى موضوعات بعض لوحاته من صور ميليه، خاصة لوحته الشهيرة «المزارع قبيل غروب الشمس»، بل ويرى بعض النقاد أن هذا الرسام المبدع بأسلوبه الفني المتفرد كان هو الملهم الأول لاتباع المدرسة الفنية الجديدة التي جاءت بعده مباشرة؛ أي الانطباعية، وتعتبر لوحات ميليه، بإجماع معظم نقاد الفن، إحدى روائع الفن الكلاسيكي العالمي، ويمكن للمرء بسهولة أن يتعرف إلى أسلوب هذا الفنان الذي يعطي أهمية فائقة للتفاصيل، كالملابس وحركة الجسد وتوزيع اللون.

أيقونة فنية

لوحة «حاصدات السنابل»، أو «نساء يجتمعن للحصاد»، التي رسمها ميليه عام 1857، لا تعتبر أفضل لوحاته فقط، بل هي من أهم الأعمال الفنية العالمية على الإطلاق، وهي تنتمي إلى أسلوبية الفنان وأفكار مدرسة «باربيزون»، التي من أهم أهدافها دعوة الفنانين إلى هجرة المراسم والمدن والانطلاق نحو الأرياف واستلهام مشاهدها من أجل صناعة أعمال فنية تستقي مواضيعها من طبيعتها، من أجل الخروج عن الصيغ الأكاديمية الجامدة، ومن هنا جاءت فكرة «حاصدات السنابل»، التي اعتبرت من الأيقونات الفنية الخالدة، وتمثل جانباً من مشاهداته ومعايشته للريف الفرنسي والتي عبّر عنها بلوحات واقعية نابضة بالحياة تصور لحظات وانفعالات ومشاعر نفسية متنوعة، من الفرح القاتم والحزن، وغير ذلك، بألوان هادئة وعميقة، وقد تحدث ميليه عن تلك التجربة قائلاً: «مواضيع المزارعين أفضل ما يتوافق مع طبيعتي، والجانب الإنساني يمسّني أكثر فأحاول أن أبرزه في لوحاتي، غير أن الجانب المبهج لا يظهر لي بالصورة المرجوة، لدرجة أنه بإمكاني أن أقول إنه غير موجود، لم ينكشف لي أبداً، إن أجمل ما أعرفه، وأحس به هو السلام والهدوء الممتعين في الغابة وفي الحقول المزروعة، ما يمنحني دائماً شعوراً يشبه الحلم الحزين».

وصف

في لوحة «حاصدات السنابل»، تظهر مجموعة من النساء المجهولات بملابسهن التي تدل على الفقر، منهمكات في حركة مستمرة من أجل جمع بقايا البذور المتخلفة عن موسم الحصاد في حقل مذهّب قبيل ساعة المغيب، ويظهر في مشهد اللوحة الرئيسي ثلاث نساء، اثنتان منهن، منحنيتان فوق الأرض، تعملان على جمع ما تبقى من السنابل، والثالثة تبدو بقامة مرتفعة قليلاً عن الاثنتين، لتعكس الصورة بالتالي تضاداً بين حركة الأولى والثانية من جهة، والمرأة الثالثة من جهة أخرى، فيما نرى بعيداً عنهن أكوام القمح المحصودة، وحركة المزارعين وعربة مشدودة إلى خيَال، وحصان، اللوحة رسمت في مكانها الطبيعي، بينما الجميع منهمكون في العمل، ولقد استخدم ضوء الشمس، فبدأ اللون الذهبي يغمر اللوحة، بما فيها سنابل القمح الذهبية، كما قام ميليه بتوظيف الألوان الهادئة، ويبدو في الأفق قليل من العتمة، الأمر الذي خلق أجواءً ضبابية وألواناً دافئة، رغم أن المشهد نفسه يعبّر عن صورة من صور العوز والفقر المدقع الذي يرتسم على وجوه الفلاحات، وقد تناولها العديد من النقاد مبرزين دقة الفنان في إبراز حركة الحاصدات المرسومات في حقل فسيح من حقول زراعة القمح.

مهمّشون

اللوحة حظيت فيما بعد، بإجماع النقاد بوصفها تمثّل إحدى روائع الفن الكلاسيكي العالمي، وتكمن براعة الفنان في هذه اللوحة في تصوير حياة المهمّشين والفقراء ويومياتهم في الحقل، حيث البؤس والعمل المتواصل من الصباح حتى مغيب الشمس، ولا يبدو أن ميليه في هذه اللوحة يقدّس قيمة العمل نفسه، بقدر ما يعكس واقع هؤلاء تحت هجير الشمس، وما ينالهم من التعب من أجل العيش الكريم الذي يغنيهم عن السؤال، فقد تعمد أن يعكس القيم النبيلة والأخلاق الحقيقية الرفيعة لديهم، والتي رغم فقرهم إلا أنهم يتمتعون بعزة النفس والإباء، فقد أحدث ميليه في هذه اللوحة نوعاً من الانقلاب الاجتماعي، إذ جعل المهمّشين طبقة تتميز بالقيم الرفيعة التي ربما تتفوق على تلك التي عند الطبقات النبيلة في فرنسا.

جدل

أثارت اللوحة جدلاً واسعاً في فرنسا، لأنها في نظر الكثيرين تمجد عمال وفلاحي الطبقة الأدنى برؤية واقعية للفقر، وبمشهد سبب إزعاجاً كبيراً للطبقة العليا في القرن ال 19، حيث كانت اللوحة بالنسبة للكثيرين تذكّر بأن المجتمع الفرنسي مبني على كدح الأغلبية العاملة، وكانوا يخافون أن تنمّي اللوحة ثورة جديدة داخل قلوب الفلاحين والفقراء، وتمدد هذا الخوف إلى قلوب وعقول النقاد الفنيين المحافظين، الذين لم يستحسنوا فكرة أن ُيصوّر الفلاحون في هيئة من الاحترام والهيبة، أو أن تصبح هذه الطبقة المجهولة والمتواضعة موضوعا رئيسيا في عمل فني.

رابط المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق