اخبار الفن

في ذكرى ميلاد مدبولي وحكاياته مع تلميذه المهندس

28 سبتمبر ذكرى ميلاد عبد المنعم مدبولي أحد أهم رواد فن التمثيل في مصر، وبخاصة التمثيل الكوميدي على خشبة المسرح، وذلك رغم قدراته على أداء الأدوار التراجيدية بمذاق خاص لا يقل جودة عن أدائه للأدوار الكوميدية.

ومثل هذا النموذج نادر في تاريخ الكوميديا في المسرح المصري.. فهذا النموذج ظل متوهجا منذ اشتغاله بالفن وحتى توفاه الله في 9 يوليو 2006م عن عمر يناهز خمسة وثمانين عاما، لم يتوقف لحظة عن التوهج، ولم يقف في مرحلة ليترك الزمن يتخطاه، بل كان دائما مواكبا لتقنيات التمثيل في كل زمن مر به، ولم يقتصر هذا التطور على مجال المسرح بل شمل السينما، والتلفزيون، والإذاعة أيضاً، فضلاً عن مجاله الرئيسي وهو المسرح.

وُلد عبد المنعم مدبولي في 28 ديسمبر عام 1921، وكان يسكن في حي باب الشعرية بالقاهرة، ذلك الحي العريق، الذي يقول عنه عبد المنعم مدبولي: “وُلدت في ذلك الحي الشعبي الذي يسكنه عدد كبير من رموز الفن في مصر، فقد مشى في دروبه عبد الوهاب ونجيب الريحاني وزكريا أحمد والسنباطي ولم أكن أتجاوز السابعة من عمري، وكانت متعتي الكبرى وقتها هي مشاهدة العروض المسرحية التي كانت تقدمها فرقتا “فهيم الفار” و”الزعبلاوي”، وفي اليوم التالي أتوجه إلى زملائي في المدرسة بالتعليمات، حتى نتمكن من تمثيل العروض التي شاهدتها، وهكذا بدأت موهبة الإخراج مبكرا عندي”. ولعل تلك التجربة وهذه الفرق التي تربى “مدبولي” على مشاهدتها وتقليدها وما كانت تشتهر به من فن الارتجال هي التي رسخت في ذهن عبد المنعم مدبولي الصغير القدرة على الارتجال المنظم واستخراج اللزمات الكوميدية التي تستخرج الضحكات من الجمهور، ولعل المتابع لعبد المنعم مدبولي منذ بداياته يعرف جيدا قدرته على الإضحاك تمثيلاً وإخراجا.

وبصماته ما زالت واضحة على الكوميديا المصرية منذ نشأة فرقة ساعة لقلبك وحتى الآن، ظل النجم يواكب التطور الذي ساعده لتنمية قدراته على الأداء التمثيلي الكوميدي معتمدا على المبالغة الصوتية وارتفاع الصوت وذلك للاستحواذ على المستمعين وأذهانهم حتى يتمكن من توصيل المشهد وصولاً لضحك المتلقي، وحتى بعد أن انتقل إلى التمثيل المسرحي سواء في فرق التلفزيون أو فرقة الفنانين المتحدين فقد ظل معتمدا على بعض المبالغة سواء في الملابس.. الضيقة والقصيرة ولبس الطربوش، وكذلك المبالغة في الحركة حتى يتمكن من إثارة الضحك، ومع تقدمه في العمر ينجح عبد المنعم مدبولي ونراه يلجأ رويدا رويدا إلى الطبيعية والبساطة سواء في الأداء التمثيلي أو الملابس أو الأداء الحركي، وهذا التشكيل المسرحي نراه أيضاً في فؤاد المهندس فقد تعلم التلميذ من الأستاذ، وكثيرا ما نرى الاثنين يقدمان نسقا واحدا.

فمدبولي يتحرك بين الطبيعية والمبالغة فنراه مثلاً في مسرحية “حالة حب” وهو يعلِّم خطيب ابنته كيفية المغازلة ولجوئه إلى بعض المبالغة الحركية واستخدام الإكسسوارات في مسرحية “مطار الحب”، فنراه وهو يحاول إخفاء طبق المكرونة تارة في جيبه وتارة تحت السجادة، وتعامله على المكرونة ذاتها وكأنها تلك الديدان التي تُستخدم في صيد الأسماك، ورغم بعض المبالغة في هذا المشهد فإنه استطاع انتزاع الضحكات رغم اعتماده في باقي المسرحية على البساطة في الأداء. ولا شك في أن هناك العديد من الروافد المسرحية التي شكلت فكر “مدبولي”، وكونت معتقداته الفنية على مستوياتها كافة، فقد عاصر ما جاء به المسرح الأوروبي الحديث من مناهج ونظريات، ودرس الأساس الأول للمسرح بكل أشكاله، وكل هذه الروافد، جعلته يشكل أسلوباً خاصاً به أطلق عليه “المدبوليزم” والتي اعتمدت على الضحك القائم على الموقف، وبالفعل استفاد فؤاد المهندس من مدرسة “المدبوليزم” التي تعتمد على توليفة خاصة من عناصر أداء الممثل في الكوميديا المرتجلة وفن الارتجال، بوصفه عملاً تمثيلياً تلقائياً يعتمد على خبرة الممثل، وقوة ملاحظته وسعة خياله، وهو ما برع فيه المهندس بإخراج مدبولي.

خلال حوار نادر ببرنامج “زووم” مع الإعلامية سلمى الشماع، التي جمعت بين الصديقين عبد المنعم مدبولي، وفؤاد المهندس، قال “مدبولي”: “علاقة الصداقة بينا تمتد لأكثر من نصف قرن، فأول مرة قابلته في برنامج “بابا شارو”، ومن وقتها أصبحنا صديقين”.

واستكمل مدبولي: “فؤاد كان بيمثل ويغني ويقلد ويؤلف، وكان عامل برنامج اسمه طرزان، وكان بيعمل فيه صوت الطبلة والبغبغان، واتضح لي إنه بيحب الحيوانات جدا، وكل شوية يروح جنينة الحيوانات”.

كان النجاح يلازم فؤاد المهندس ومدبولي وقدما مسرحية “سيدتي الجميلة”، وهي إحدى أجمل مسرحيات الثنائي الرائع في تاريخ المسرح المصري، هي كيمياء جمعت بين عبد المنعم مدبولي والمهندس، امتدت من المسرح للسينما، وقدما عدة أفلام أبرزها “ربع دستة أشرار”، “المليونير المزيف”، “مطاردة غرامية”، “اقتلني من فضلك”.

وفي معظم لقاءاته كان يحرص فؤاد المهندس، على أن يتحدث عن رفيق العمر والفن مدبولي، وكان يطلق عليه “ناظر الفن”، بينما قال عنه “مدبولي” في حوار قديم مع أمينة صبري إن المهندس هو صديقه الأهم الذي أحبه منذ أول مرة قابله فيها، وامتدت الصداقة بينهما لأكثر من خمسين عامًا.

رابط المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق