اخبار الفن

لماذا يعلق المجتمع فأس الجرائم على كتف الفن؟

مع كل جريمة قتل أو حادثة بشعة، تتجدد الاتهامات وتشير الأصابع إلى الفن، كأنه المصدر الأول للجريمة، والمعلم الأول لفنون البلطجة وقواعد القتل والانتحار.

بعد حادثة فتاة جامعة المنصورة نيرة أشرف، التي قتلها عاشقها بعد رفضها الاتباط به، على أبواب الجامعة تجددت المعركة ضد الفن من جديد، وأثير التساؤل المعتاد أو الذي أصبح حتمياً مع كل أزمة: هل يصدّر الفن الجريمة إلى المجتمع، أم أن الواقع هو مصدر العنف الذي يصوّره الفن، وأن الشخصيات التي تقدم على الشاشة مستوحاة من هذا الواقع وبشاعته؟.

مسؤولية الفن

“اندبندنت عربية” حاولت مناقشة القضية من أكثر من جهة. ففي البداية كانت وجهة نظر بعض الجماهير عبر منصات ومواقع التواصل الاجتماعي أن الفن المسؤول عن الجريمة، ونشر البعض كلمات أغنية “عشان تبقى تقولي لأ”، التي يهدد فيها المطرب حبيبته إذا رفضت حبه ويتوعدها بأنه سينتقم منها، وإن كانت الكلمات أقرب إلى المشاكسة وليس العنف، لكن الجمهور أشار إلى أنها من محفزات الجريمة، فالأمر نفسه ما حدث مع مقتل نيرة التي قالت لا لعاشقها.

تصاعدت شعلة الانتقادات ضد الفنان محمد رمضان، الذي تصدّر “الترند” عقب انتشار خبر الجريمة، بأفلامه التي يعتبرها البعض مصدراً للبلطجة، وشخصياته التي أظهرت البلطجي باعتباره ضحية وبطلاً يحقق العدالة. ومن هنا اختلطت الأمور وتداخلت لتشمل أمير كرارة بشخصية سيد بوخاريست في مسلسل “حواري بوخاريست”، وكذلك أحمد السقا وآسر ياسين في بعض أعمالهما. وقال البعض في تعليقات إن ما يحدث في الشارع صنيعة تلك الشخصيات، حيث لا أخلاق ولا قيم يقدمها الفن.

على جانب آخر، تحدث عدد من النجوم مدافعين عن الفن وقيمه، ومنهم الفنان صبري فواز، الذي قال لـ”اندبندنت عربية” إن “الفن يقدم أحياناً صورة من الواقع، وأحياناً يخلط الواقع بالخيال، لكن من المستحيل أن يصدّر العنف أو الجريمة، فهل كان الفن سبب قتل قابيل لهابيل وحدوث أول جريمة في التاريخ؟ يجب عدم الزج بالفن في كل الأمور، بالعكس فهو يخشى الاقتراب من وحشية الواقع حتى لا يتهم بالمبالغة، على الرغم من أن الواقع حاله أبشع كثيراً من أية صورة قاتمة تم تقديمها في الفن في أي وقت”.

وقالت الفنانة إلهام شاهين، “الفن خلق ليرتقي بالشعور والإحساس، ومن الظلم أن نضعه في جملة واحدة مع الجريمة والأشخاص المرضى والمتوحشين، فهو القوة الناعمة التي تعرض القضية وتحاول لفت النظر إليها لحلها، لكنه لا يصنع تلك القضايا ولا يخلقها من العدم، وكفانا دفناً لرؤوسنا في الرمال والنظر للفن كأنه الحائط المائل الذي نلقي عليه بخطايانا وبشاعتنا، فالفن علمنا الحب والرومانسية والتسامح الديني ونبذ العنصرية، كما علمنا الاتحاد ودعم روح الفريق والإخاء بين الناس بأعمال تنبذ العنف والتطرف والتشدد الديني والطائفي، فكيف بعد كل ذلك نتهمه في كل جريمة بأنه المحرض الأول؟”.

وتحدث السيناريست أيمن سلامة قائلاً، “من العبث أن تتجدد قضية اتهام الفن بالتحريض على الجرائم مع كل حادثة بشعة، فالجريمة قديمة منذ مولد البشرية وقبل أن يخلق الفن أصلاً، ولا يجب اللعب بمتلازمة الفن الذي يصدّر العنف أم أن الواقع الذي يصدّر الجريمة للفن، فهناك اتصال دائم بين الفن وحياة الناس، ويحدث دائماً هذا النوع من التلامس الذي يثير الجدل، لكن قبل الخوض في الاتهامات، أو الحماسة للدفاع عن الفن، يجب أن نسأل أنفسنا بعض الأسئلة مثل: هل جريمة يوسف وإخوته، أو إغواء زليخة ليوسف، أو محاولة قتل الكفار للرسول عليه الصلاة والسلام، تم تقديمها في الفن وتعلموها من الدراما مثلاً؟ أكيد لا، فالجريمة ولدت مع الجنس البشري وليس مع الفن”.

شغل سيما

السيناريست ياسر عبد المجيد أشار إلى أن الفن قد يقتبس بعض القضايا من الواقع، لكنه لا يصدّرها، وحتى إن حاول ذلك فقد يرفض المجتمع ويقول إنها “شغل سيما” أو “كلام أفلام”، ولهذا فالناس أكثر وعياً من أن يقوم الفن بوهمهم بأي شيء، لكنهم قد يتفاعلون مع شخصيات درامية وهذا شيء منطقي، وإذا كان الفن يعلم الناس الجريمة فلماذا لم يتحول كل المجتمع إلى قتلة ومجرمين؟ هذا يعني أنه حتى الأشخاص الذين تتفاعل بشكل مرضي مع بعض الأحداث أو الشخصيات في الفن، وتخرج منها طاقات هدامة ورغبات في الانتقام والعنف، شخصيات بطبيعتها مختلة نفسياً ولديها ميول إجرامية.

وحول اتهام بعض الجمهور للفن بأنه وراء جريمة نيرة أشرف وقتلها بهذه الوحشية قال عبد المجيد، “بعض الناس قاموا بدور المحلل النفسي والمحقق الجنائي، وقرروا أن أغنية أو فيلماً أو مسلسلاً السبب في دفع شخص لذبح فتاة أحبها في الشارع لمجرد أنها لم تبادله الحب، والسؤال هنا: هل من أصدر هذه الأحكام على الفن ومسؤوليته عن الجريمة تولى التحقيق في الموضوع ويعرف الأفلام والأعمال التي شاهدها القاتل وتأثر بها حتى يقدم على فعل بشع مثل ذلك؟ بالتأكيد لا. هو مجرد تخمين لا أكثر ولا أقل، والغريب أن القاتل قد يكون شخصاً رومانسياً جداً وليس مريضاً نفسياً وجاء القتل كرد فعل غير مسؤول بسبب العاطفة الجامحة، والمشكلة أن الشاب هددها ولم يوقفه أحد حتى وصل لمرحلة القتل، لهذا فمن تركه بهذه الحال ليس الفن، وإنما جهات أخرى يجب أن تحاسب”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع عبد المجيد، “هناك حوادث بشعة تمت قبل فيلمي (عبده موته) و(إبراهيم الأبيض) مثل قضية فتاة العتبة، وفتاة المعادي، والمرأة الشهيرة التي قتلت زوجها وقطّعت جثته ووضعتها في أكياس، وكذلك ريا وسكينة، وسفاح كرموز. كل هذه الأحداث وقعت في حقب زمنية مختلفة منذ الأربعينيات، حيث لم تكن هناك سينما أو دراما إلا تجارب نادرة، وبعض الحوادث وقعت في الثمانينيات والتسعينيات حينما كانت تعرض أعمال من نوعية (هوانم جاردن سيتي، ورأفت الهجان، وليالي الحلمية، وزيزينيا، والشهد والدموع، وبابا عبده)، ولم يكن هناك لا (إبراهيم الأبيض) ولا (عبده موته)، لهذا يجب التنبيه إلى أن الفن والدراما ليس لهما علاقة بالأمراض النفسية والمشكلات الزوجية والاجتماعية والكبت الجنسي والتطرف الديني، فهذه الأشياء موجودة في المجتمع بنسب مختلفة، لذلك يجب أن يرفع المحللون غير المتخصصين أياديهم عن الفن ولا يرتدون معطف المحقق والطبيب النفسي لمجرد الهجوم عليه”.

وتطرق الناقد هاني سامي إلى نقطة مهمة، هي أن بعض مؤسسات الدولة، بخاصة الدينية، تتهم الفن بشكل مباشر بالتسبب في حدوث جرائم، والناس بطبيعتها جاهزة للانقضاض على الفن بوصفه الحلقة الأضعف، بدلاً من مهاجمة التسيب أو الإهمال في أية جهة. وأشار إلى أنه بعد جريمة مقتل نيرة أشرف أصدر الأزهر الشريف بياناً دعا فيه إلى إعادة صياغة المحتوى الإعلامي والفني بما يناسب قيم المجتمع المصري والعربي، ويدعم تصحيح المسار السلوكي لأبنائه، ويعزز أمن المجتمع واستقراره، وهذا يعني أن شيخ الأزهر يرى أن المشكلة في الإعلام والفن، وأنهما سبب كل الكوارث المجتمعية، وهذا البيان في حد ذاته كارثة ويحرض ضد الفن، وإذا كان هذا موقف الأزهر، فما بالك بموقف الناس غير الواعين بدور الفن البناء في المجتمع.

رابط المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق