منوعات

وجيه البارودي الشاعر الحموي الغريب الطباع والمثير للجدل حياً وميتاً

ربما لم يجمع أبناء مدينة حماة وريفها على حب شخص ما، كما أجمعوا على وجيه البارودي، صاحب الشخصيه المشاكسة والفريدة التي مزجت العصبية والمزاج الحاد بالطيبة ونقاء القلب والكرم بالتواضع ومساعدة الناس.

هذا الحب وهذه الشخصية فضلاً عن ارتباطه واعتداده الكبير بمكان ولادته جعله حديث الحمويين حياً وميتاً، حتى كأنه أصبح واحداً من معالم المحافظة، فنحن الحمويين لدينا النواعير وأفاميا ووجيه البارودي، وحلاوة الجبن أيضاً التي نكيد بها جيراننا الحماصنة.

ورغم أن الحموييين لم ينسوا ابنهم وجيه البارودي الطبيب والشاعر، غير أن المنشور الذي نشره مدير السياحة السابق لحماة مرهف إرحيم، عن الإهمال الذي تعرض له قبره، جعلة مرتكزاً لنقاش وجدل جديد لحال ومآل أبناء مدينة كاملة في ظل ظروف معيشية، أقل ما يمكن أن يقال عنها مأساوية.

وقال مدير سياحة حماة السابق مرهف أرحيم عبر صفحته في فيس بوك إن “حجارة قبر شاعر حماة وأديبها وطبيبها الدكتور وجيه البارودي قد سرقت”. متسائلاً “هل هكذا يكرّم المبدعون”؟

وفتح منشور مدير السياحة الباب من جديد لتذكر الشاعر من أبناء مدينته، الذين عبروا في جميع تعليقاتهم عن حب الشاعر، معتبرين أن إهماله وسرقة قبره، ما هي إلا انعكاس لحال الفقر والتخلف الذي وصلت إليه البلاد – مانعهم الخوف من الإشارة إلى نظام الأسد في ذلك- فبينما تقيم الدول المتقدمة النصب التذكارية لمبدعيها ورموزها، تسرق حجارة قبورهم عندنا، مكتفين بتحميل البلدية والأوقاف هذا الإهمال، الذي لايُعدّ الأول من نوعه وإنما هو الرابع أو الخامس، الذي تعرضت فيه حجارة قبر البارودي للسرقة.

وجيه البارودي الطبيب المشاكس وصاحب الغرائب

ولد وجيه البارودي الذي عاش 90 عاماً، في /1906/ لأسرة من طبقة الوجهاء في مدينة حماة وهو ما جعله محظوظاً في تلقي التعليم في أفضل المدارس وعلى يد أفضل الأساتذة في اللغة العربية والدين والعلوم التطبيقة. وفي عام 1932 تخرج طبيباً فعاد إلى مدينته ليمارس مهنته التي برزت فيها براعته، كما برزت إنسانيته وحبه لمساعدة الفقراء، حتى لقب بطبيبهم.

وخلال بحث قدمه عنه ابن بلده الأديب عبد الرزاق الأصفر، قال إن وجيه تميز “بقوة البنية وحب التفوق وجمال الهيئة وحدّة الذكاء والتمرد والنزوع إلى التصادم وإثبات الذات وتحمل المشقات والموهبة الشعرية، كما تميّز بالمزاج الحاد”، وهذا الأخير كان السبب الأكبر في شهرته بين أبناء المدينة، الذين رغم حبهم له، إلا أنهم كان يخشون فيه هذا الطبع، ومن خلال ذلك انتشر عنه عشرات وربما مئات القصص والغرائب والطرائف في الموروث الشعبي قد لا تكون كلها صحيحة، غير أني على الأقل كنت شاهداً على واحدة منها في عام 1994، أي قبل وفاته بسنتين فقط.

بدأت القصة عندما تم استدعاء الطبيب وجيه ليكشف على جارنا المسن الذي دخل في غيبوبة لأكثر من عشرة أيام وهو على فراش الموت، ولم يستطع أي طبيب أن يعالجه، سوى أنهم علقوا له كيساً من السيروم في يده.. دخل عليه وجيه البارودي مسرعاً إلى غرفته ويتبعة زوجة المريض وأولاده ونحن الأطفال حينئذ.

وما إن رأى وجيه البارودي المريض حتى صرخ بأهله: من وضع له السيروم ومن أعطاه هذه الأدوية، فردوا مرتبكين “الدكاترة”، فزادت عصبيته وقلع بعصبية السيروم من يد المسن وقال: المريض ما في شي، ليرد الأهل: يعني رح يطيب دكتور! للمسا بطيب قالها بعصبية وانصرف .. والأجرة يادكتور، لم يلتفت الطبيب وظل ماشياً، وعند المساء سمعنا المؤذن ينادي أن توفي المريض، بعدها سمعنا من الكبار أن الطبيب أدرك أن المريض في سكرات الموت فلم يشأ أن يعطيه أدوية وعلاجات فيعذب المريض ويزيد التكاليف على أهله.

مارس البارودي الطب لأكثر من ستين عاماً، لم يخرج فيها من حماة إلا نادراً، فكان يعمل ليلاً نهاراً متنقلاً في أحياء حماة لزيارة مرضاه كي لا يكلف زبونه الفقير أجر العربة ولاحقاً السيارة، وأحيانا لم يكن يأخذ الأجرة وكثيراً ما كان يتنقل على دراجته الهوائية، وفي قلة مغادرته لحماة يقول شعراً

وفـي حمـاةَ مقيـمٌ لا أغـادرُهـا… فشاطئُ البحرِ عندي ضفةُ النَهَرِ

فيها النواعيرُ والعاصي وشاعرُها… ثـلاثةٌ ميزتْنا حكمـةُ القدَرِ

وقد كان البارودي مشاكساً ومثيراً للجدل حتى في هيئته، فقال عنه الأديب الأصفر، “قد صدم وجيه مجتمعه / الحموي / بقبعته الأجنبية ودراجته وقميصه  نصف الكم”. وهو لباس لم يعتد عليه الحمويين حتى وقت متأخر من سبعينات القرن العشرين.

وجيه البارودي شاعرا 

لم ينفصل شعر وجيه البارودي عن طبه فقد قال عن نفسه : “أتيت إلى الدنيا طبيباً وشاعراً.. أداوي بطبي الجسم والروح بالشعر”.

ومن أشهر قصائده تلك التي يتحدث فيها عن شعره وطبه ومدينته وسلوكه فيقول:

طبي وحبي وشعري شغل أندية … وهم بحاثة عن أحسن الحسنِ

تمر سيارتي العجفاء في طرق… شعبية ليس فيها لمحة لغني

تراكض الصبية الأغرار تتبعني… مهما فررت فراري ليس ينفعني

هذا يصيح وجيه أمس أنقذني … من الهلاك وهذا أمس طهرني

وأقبلت أم محمود مزغردة… جاؤوا إليّ به ليلاً فولدني

على الرصيف مضافات ولي معهم … شتى الأحاديث عن سمن وعن لبن

هذي تقاليد أهل الحي في وطني .. كيف اتجهت فأهلاً يا بني وطني

وللبارودي، الذي شغل أول رئيس لفرع اتحاد الكتاب بحماة عام 1978، عدد من الدواويين أبرزها (بيني وبين الغواني) الذي طبع عام 1950، ثم أعاد طباعته مع ديوانه الثاني (كذا أنا) عام 1971، كما أصدر ديوانه الثالث والأخير (سيد العشاق) قبل وفاته بعامين عام 1994م. إضافة إلى مجموعة من القصائد الأخرى.

كأس الشعر ودرع الطب

رغم أن تكريم وجيه البارودي قد تأخر كشاعرٍ وكطبيب، لكنه بقي حياً لينال كأس الشعر عند بلوغه السبعين، عام 1975، وأقيم له حينها احتفال تحدث فيه نخبة من الأدباء والباحثين والنقّاد والشعراء السوريين، وقدّم له محافظ حماة كأس الشعر، وعندما بلغ الـ85 نال تكريمه الثاني كطبيب وحصل على درع وزارة الصحة الذي قلّده إياه وزير الصحّة د. إياد الشطي عام 1991.

google news icon
تابعوا آخر أخبار اورينت عبر Google News

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق