جرائم

جرائم اليوم الواحد وقَُفة الشيخ مبروك

لا شك عندى أن خللًا ما قد أصابنا- وأعتبره طبيعيًا- فلا أحد من المتخصصين فى عالم الجريمة لم يشر من قبل إلى أن معظم المجتمعات يعانى عقب حدوث ثورات أو تغيرات مفصلية فى نظامها السياسى أو الاقتصادى من عطب أو خلل ما فى منظومة القيم.. وكل موقع أو موضع فى العالم يستطيع امتصاص ذلك الخلل حسب قدراته..

أعرف ذلك منذ زمن بعيد- وكثيرًا ما قرأت عمّا حدث فى فرنسا على سبيل المثال عقب ثورتها من مذابح وتغييرات حادة أخذت وقتًا طويلًا حتى استقرت ونهضت من بعد كبوة.

لكن أن تسمع أو تقرأ عن «الشىء» شىء.. وأن تعيشه فهذا شىء آخر..

وما تنقله لنا صفحات الحوادث عبر الصحف أو مواقعها أو عبر السوشيال ميديا التى صارت تزاحمنا فى صحونا ونومنا أصبح أمرًا خارج قدراتنا.. لم نتعود نحن على ذلك العبث الكونى الذى سميناه مؤخرًا جرائم اليوم الواحد.

لسنا مجتمعًا فاضلًا بالتأكيد.. وحوادث القتل أيًا كان نوعها موجودة منذ زمن طويل.. لكنها ليست بهذا الكم- أو ربما كانت كذلك- لكننا لم نسمع بها فى وقت واحد.. ولم نتابع تفاصيلها بهذا الشكل الذى جعلنا نشعر أو كأننا نعيش فى عالم آخر لا علاقة لنا به.

فى يوم واحد.. ذبح شاب متفوق «يتيم الأب» يعيش مع أمه وأخته فى حى بسيط بالمحلة الكبرى زميلته الجامعية لأنها رفضته.. فقط لأنها لم تقبل ذلك الحب الذى سيطر عليه.. الروايات جميعها متشابهة وتؤدى إلى طريق واحد.. إنه لم يتقبل فكرة «الرفض» واعتبرها إهانة.. لكن هل يؤدى منطق «أنا ما اترفضش» إلى جريمة بشعة فى مجتمع ريفى وشعبى بالأساس؟! هل يؤدى مجرد عدم قبول «محبتى» إلى نسف العالم بمن فيه وأول من فيه الأنثى التى أحب؟!

فى اليوم نفسه.. شاب يلقى بنفسه وبسيارته فى النيل.. يحاول الانتحار.. لم تؤكد المعلومات نجاة الشاب أو غرقه.. لكن ما غرق فيه الجميع هو رسالته التى أكدت رفضه أو عدم قبوله مشاركة والده فى تشييع جنازته.

هل فقدنا القدرة على الحوار مع أبنائنا إلى الدرجة التى تذهب بهم إلى جهنم، وكل ما يذكرونه أنهم يرفضون حتى مجرد مشاركتنا فى وداعهم الأخير؟.. لم ينته اليوم دون إشارة دالة إلى أن ما حدث فى المنصورة حدث أيضًا فى الصعيد البعيد.. الصعيد صاحب النظريات الجاهزة عن «العلاقات العائلية الصلبة».. ها هو ينفرط تمامًا.. ويكشف علنًا عن «جريمة» ذبح لفتاة شابة على يد شقيقها هذه المرة.

المراسلون الصحفيون المتهمون بإفساد الذوق العام والمناخ العام.. لم ينشروا شيئًا هذه المرة عن «الأسباب».. لم يتوغلوا فى التفاصيل.. ولم نفهم كيف تجرد «أخ».. وذبح «دمه» هكذا بكل بساطة.

فى اليوم نفسه.. شاب آخر وفى القاهرة هذه المرة يلقى بنفسه من «برج القاهرة» وكأنها رسالة أخرى أنه لا فرق بين المنصورة فى بحرى أو الأقصر فى الصعيد.

فى اليوم التالى.. وتوابع حادث المنصورة لم تكن قد انتهت بعد.. وحكايا الأهل.. والجيران.. وفلاسفة المقاهى لم تهدأ.. وفوجئنا بمن يخبرنا بذلك الشاب الذى ذهب إلى طليقته الشابة الثلاثينية فى محل عملها بمطعم، ولاختلافهما على نفقة أطفالهما طعنها ومضى. وقد تركها جثة هامدة وكأنه لم يفعل شيئًا.

وسط كل هذا الدم.. خرج علينا مدرس الدراسات الإسلامية الذى أصبح نجمًا فضائيًا يفتى فى كل شىء من مشاكل الزواج والطلاق إلى البورصة وعمليات توظيف الأموال ليتهم المسكينة التى لقيت حتفها على يد الحبيب المهدور فى كرامته بأن أى فتاة تريد السير فى الشارع بأمان عليها أن تخرج فى «قفة».. الأمر الذى استدعى مناصرى المرأة إلى الدخول فى خناقة معه يرفضون منطق عودة المرأة المصرية التى تبوأت أعلى المناصب إلى عالم «القفف». تلك التفسيرات السهلة والمجانية.. هى أشد ما أزعجنى فى الأمر.. فهذا ما يعنى ببساطة أننا لا نقرأ ما يجرى حولنا.. وأننا نزيد الأمر سوءًا بتشخيصات خاطئة تذهب بنا إلى جحيم جديد أسوأ وأضل، وتبشرنا بحوادث أكثر دموية ورعبًا. لا أعرف كيف يمكن ضبط أداء صفحات السوشيال.. ولا أدعو مطلقًا إلى فكرة المنع.. ولا ألوم أهل مهنتى الذين أفرطوا فى «اللايف» أو ما يسمى بالبث المباشر.. لكن تجاهل ما يحدث أيضًا لن يصلح ما أفسدته عوامل كثيرة، وأهمها فى ظنى، «الفشل فى الوصول إلى تعليم وتربية حقيقيين».

نحن فى أشد الحاجة إلى الاحتماء بأهلنا.. وأصدقائنا وزملائنا.. الشعور بالرفض أو العجز أو المهانة ليس مقصورًا على شاب رفضته أنثى لم تشأ أن يكون هو اختيارها.

كثيرون من شباب هذه الأيام يشعرون بأن الدنيا بحالها ترفضهم، بعدما سددنا أبواب الحلم أمام عيونهم.. لا أحد يبصرنا الآن بالطريق الواجب علينا اتباعه.. لا أحد.. فلا مؤسسات دينية تؤدى دورها الحقيقى. ولا مؤسسات ثقافية ولا تعليمية ولا الأسرة نفسها المطحونة حرفيًا فى مواجهة متطلبات حياتية عاجلة.. لا أعرف أين ذهبت المؤسسات المتخصصة فى دراسة علوم الجريمة.. ولا أعرف بالتحديد ما دور منظمات المجتمع المدنى ومجلس النواب، وتلك المجالس كثيرة الأسماء فى بلادنا بلا دور حقيقى؟

نحن فى لحظة فارقة.. نسبة كبيرة من شباب مصر فى مرحلة سنية قلقة.. كثيرون منهم لا يجدون حلًا لمشكلاتهم الإنسانية.. أغلبهم لا يعرف ماذا يعمل.. أو أين.. أو متى ستتوافر له فرصة عمل.. كيف سيبنى بيتًا.. كيف سيعيش حتى لو لم يقرر أن يبنى ذلك البيت.. تلك الأبواق التى تخرج علينا صباح مساء تدّعى الشفافية.. خطابها كفيل بقتل أى أمل لدى هؤلاء الذين يشكلون الكتلة الصلبة فى بلادنا.

هذا الدم البارد الذى نستقبل به مثل تلك الحوادث وكأنها تجرى بعيدًا عن «ملابسنا» و«منازلنا» خطر داهم.. وأخشى ما أخشاه أن يتحول ذلك الفزع إلى «عادة».. أن نتعود وكأننا نشارك فى لعبة كارتونية من ألعاب «الموبايل» لقتل الوقت ومجابهة الملل. ربما كانت مراهنتى على الحوار الوطنى ليست مقصورة على ما قد يحققه من نتائج فى عالم السياسة والأحزاب والاقتصاد.. ولكن على ما سيشيعه بيننا من قدرة على التواصل والحوار.. وقبول الآخر.. أن نتقبل الذين ليسوا معنا.

ربما تزاح من أدمغتنا غنوة «أنا أرفض.. أنا ما اترفضش».. ربما نستطيع أن نجد فى ذلك الذى يختلف معنا ما يُكمل ما ينقصنا.. أن نعود إلى سيرة الخلق الأولى.. إلى فطرتنا السليمة.. فكل ما يحدث حولنا الآن ضد هذه الفطرة.. ربما تكون البداية من ذلك الحوار الذى لم نعرف بعد تفاصيل أولوياته، والتى أن يكون من بينها ما يجد فيه شبابنا «أملًا» جديدًا يبنون عليه فى المستقبل.

رابط المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق